حسن الأمين
105
مستدركات أعيان الشيعة
فلسفة الكون مراحل الكون : يرى جابر أن أول ما كان في الأزل هو العناصر الأولية الأربعة : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فهذه هي « أوائل الأمهات البسائط » كما يسميها ، ثم طرأت على هذه البسائط حركة وسكون ، فتكون منها تركيبات منوعة ، ولولا الحركة والسكون لظلت تلك الأصول الأولى مستقلا بعضها عن بعض ، كل منها خالص لنفسه وقائم برأسه ، لكن الحركة والسكون وحدهما لا يكفيان لخروج هذه الكائنات التي نراها من حيوان ونبات وحجر ، بل لا بد كذلك من مبدأ الكمية يدخل في عملية الامتزاج ، لأن الأشياء إن تشابهت في خروجها أساسا من تلك الأمهات الأربعة ، فهي تعود فتختلف حيوانا ونباتا وحجرا باختلاف المقادير التي تدخل في تكوينها من كل عنصر من العناصر الأولية ، فقد تزيد الحرارة هنا وتقل هناك ، وقد تزيد اليبوسة في شيء عنها في شيء آخر ، وهكذا ، وإذن فمراحل الوجود على وجه الإجمال هي : كيفيات ، فحركة وسكون ، فكمية ، بهذا الترتيب . فليس يذهب جابر مع الذاهبين إلى أن تلك العناصر الأولية الأربعة قد سبقها إلى الوجود هيولى خلو من الكيف - وهو المذهب الأرسطي - ثم جاءت العناصر الأربعة فروعا متفرعة عن الهيولى الخالصة ، بان اكتسبت تلك الهيولى الساذجة كيفية ما فصارت حرارة ، وكيفية أخرى فصارت برودة ، وكيفية ثالثة فصارت يبوسة ، وكيفية رابعة فصارت رطوبة ، ويقول أنصار هذا المذهب - كما يرويه عنهم جابر - أن الهيولى اكتسبت أول ما اكتسب الأقدار الثلاثة : الطول والعرض والعمق ، فصارت الهيولى بهذه الأبعاد الثلاثة جسما ذا ثلاثة أبعاد ، وبعدئذ خلقت فيه الكيفيات الأربع المذكورة فنشأت طبائع الأشياء وأركان الخليقة ، ثم تركبت هذه الطبائع الأربع ، وامتزج بعضها ببعض ، فكانت منها جميع هذه الأشخاص والأشباح الموجودة في العالم . يعرض جابر هذا المذهب موجزا ليتناوله بالنقد مقيما الدليل على استحالة أن يكون قد سبق الأصول الأربعة شيء خلو منها ، وإلا فكيف يجوز عند العقل أن يكون نفس المصدر الذي نشات عنه النار هو الذي خلق منه الماء ؟ ان هيولى الشيء هو ما قد تركب منه ذلك الشيء ، فهل يتركب الماء والنار - وهما ضدان - من هيولى واحدة ؟ يقول جابر مخاطبا أصحاب الرأي القائل بان أصل العالم هيولى لا كيف لها : لقد زعمتم أن أولى مراحل الخلق طينة أزلية لم تكن جسما ، ولا كانت موصوفة بصفة مما توصف به الأجسام ، وزعمتم أن تلك الطينة هي أصل الأشياء وعنصر البرايا ، ومحال علينا أن نتصور بخيالنا هذه الطينة ولا أن نعقلها ، ثم قلتم إن المرتبة الثانية هي أن قد اتخذت تلك الطينة الأزلية أبعادا ثلاثة ، فصارت بها جسما ، لكنه جسم غير موصوف بشيء من حر أو برد أو رطب أو يابس أو لون أو طعم أو رائحة أو حركة أو سكون ، لأن هذه كلها كيفيات ، والكيفيات لم تكن قد طرأت عليها بعد ، وهذا أيضا شيء غير معقول ، ثم زعمتم أن الكيفيات الأربع قد حدثت بعد ذلك ، وأعني بها : الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ومنها نشات الطبائع الأربع التي هي النار والهواء والماء والأرض ، لكن هذا القول هو بمثابة قولنا إن شيئا خرج من لا شيء ، فهل كان يجوز أن يخلق الماء من نفس الشيء الذي خلقت منه النار ؟ انكم إذا أجبتم بالإيجاب كنتم تجيبون بما هو محال ، وذلك أن كل شيء ركب منه شيء فهو هيولى لما تركب منه ، فمن أمثلة ذلك قولنا إن نطفة الإنسان هيولى الإنسان ونطفة الحمار هيولى الحمار ، وإنا لنزعم أنه محال أن تقبل نطفة الإنسان صورة الحمار ، لأنها ليست بهيولى لها ، وكذلك محال أن تقبل نطفة الحمار صورة الإنسان ، فوجب على هذا القياس أن يكون الشيء الذي يقبل صورة النار هو هيولى لها - فمحال أن يقبل صورة الماء وأن يكون هيولى له . ويستطرد ابن حيان في مخاطبة أصحاب مذهب الهيولى الواحد ، فيقول عنهم إنهم قالوا : إنا نجد الماء يستحيل فيصير نارا ، فيكون الجوهر الحامل لكيفياته وحالاته هو نفسه الجوهر الحامل لكيفيات النار وحالاتها ، فما جاز على الأول جاز على الثاني ، والذي تغير في الحالتين هو الأعراض ، فكذلك الهيولى القديم واحد ، وهو حامل لكيفيات الماء وحالاته ان حدثت فيه ، وحامل لكيفيات النار وحالاتها ان هي حدثت فيه ، نقول إنهم إن قالوا ذلك قلنا : إن الماء ليس يستحيل دفعة واحدة فيصير نارا ، بل هو يتدرج في ذلك ، فيتحول أولا إلى بخار ، ثم يصير البخار هواء ، ثم يتحول الهواء فيصير نارا ، فلو قال قائل : إن الماء يستحيل هواء فيصير نارا ، لأهمل بذلك مرحلة البخار التي ينتقل خلالها من حالة الماء إلى حالة الهواء ، فيصبح قوله غير معقول ، وهكذا قولكم - يا أصحاب مذهب الهيولى - كان يكون معقولا لو أنكم جعلتم الماء والنار يصدران عن هيولى بسيط أزلي على النحو المتدرج الذي أسلفناه ، لكنكم لم تقولوا ذلك ، بل قلتم : كان يجوز أن يكون الهيولى الذي استحوذت عليه طبيعة الماء وحالاته ، تستحوذ عليه - بدلا منها - طبيعة النار وحالاتها بغير استحالات متوسطة فيما بين الماء والنار ، وهذا خلاف المعقول . ويمضي ابن حيان في تفنيد دعوى أصحاب مذهب الهيولى ، فيقول : إنهم إن زعموا أن الهيولى القديم - قبل أن يكتسي بالصور ويكتسب الطبائع - كان شيئا له القوة على قبول حالات النار وكيفياتها بجانب من جوانب تلك القوة ، وبجانب آخر يقبل حالات الماء وكيفياته وبثالث يقبل حالات الهواء وكيفياته ، وبرابع يقبل حالات الأرض وكيفياتها . . أن زعموا ذلك عن الهيولى القديم ، كانوا بهذا الزعم قد أثبتوا للخليقة أربعة عناصر أزلية قديمة ، وهي مختلفات القوى ، وبطل قولهم إن العنصر الأول واحد ليس بمختلف . وتسألهم : هل يجوز انحلال الأشياء إلى الهيولى القديم كما تركبت منه ؟ فان قالوا : لا يجوز هذا ، سالناهم : ولم لا يجوز ؟ فان قالوا : إن ذلك بطلان الأشياء ورجوع بها إلى الآلي البسيط الذي لا تركيب فيه ، قلنا : وما ضركم أن تقولوا إن الأشياء تعود إلى الأزلي البسيط الذي لا تركيب فيه ويبطل هذا العالم ؟